الأسبوع العربي

ذُبد البحر – هل نحن أثر؟

 

بقلم أ.د/هبة شوقى راشد

حين نقف أمام البحر، نُبهر بجماله واتساعه، لكننا نغفل عن حكمة الزبد الذي يعلو ثم يختفي.
قال الله تعالى في سورة الرعد، الآية 17:
> “فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”
تلك الآية ليست فقط وصفًا للطبيعة، بل هي مرآة لأفعال البشر، لأثرهم، ولما يبقى منهم بعد الرحيل.

كل إنسان يترك أثرًا، سواء أراد ذلك أم لا.
الأثر لا يُقاس بالحجم أو الشهرة، بل يُقاس بالصدق، بالنية، وبما ينفع الناس.
قد يكون الأثر كلمة طيبة، موقفًا صادقًا، دعاءً في ظهر الغيب، أو حتى صمتًا حكيمًا في لحظة كان الكلام فيها مؤذيًا.
وقد يكون الأثر سيئًا، جارحًا، مؤلمًا، يظل يطارد من حولنا حتى بعد موتنا.

الزبد هو كل ما يعلو فجأة، يلفت النظر، لكنه لا يبقى.
هو الغضب الذي ينفجر ثم يترك ندوبًا، هو التفاخر الذي يعلو ثم يسقط، هو الكلمة التي تُقال بلا تفكير، والتصرف الذي يُرتكب بلا ندم.
الزبد يذهب جفاء، لا يُثمر، لا يُروى، لا يُذكر إلا كعابرٍ لا يُبنى عليه شيء.

أما ما ينفع الناس، فهو ما يُروى به القلب، ويُبنى عليه الخير.
هو الكلمة الطيبة التي تُقال في وقتها، هو العلم الذي يُنقل بإخلاص، هو الصدقة التي تُعطى في الخفاء، هو الخُلق الحسن الذي يُمارس بلا رياء.
هو الأم التي ربت أولادها على الرحمة، هو المعلمة التي صبرت على طلابها، هو المزارع الذي زرع شجرة ظلّ لا ينتظر منها شيئًا.

كل واحد منا مدعو أن يراجع نفسه:
هل أفعالي تمكث؟ أم تذهب جفاء؟
هل أنا زبد يعلو ثم يختفي؟ أم أثر يبقى حتى بعد موتي؟
هل سلوكي ينفع الناس؟ أم يؤذيهم؟
هل أنا سبب طمأنينة؟ أم سبب اضطراب؟

المراجعة لا تعني جلد الذات، بل تعني أن نختار أن نكون أثرًا.
أن نختار أن نُكتب في الأرض، لا أن نُمحى منها.
أن نترك خلفنا ما يُقال عنه: “كان طيبًا، وكان نافعًا، وكان رحيمًا.”

اللهم اجعلنا ممن يمكث في الأرض بأثر طيب،
واغسلنا من الزبد الذي يذهب جفاء،
واجعل أعمالنا نورًا، وذكرنا رحمة، وسلوكنا صدقة جارية.

كن أثرًا، لا زبدًا.
فالأرض لا تحتفظ إلا بما نفعها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى